ملا محمد مهدي النراقي

59

جامع السعادات

وإنما حكم الكبيرة أن اجتنابها يكفر الصغائر وأن الصلوات الخمس لا تكفرها ، وهذا أمر يتعلق بالآخرة ، والابهام أليق به ، حتى يكون الناس على وجل وحذر ، فلا يتجرؤن على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس واجتناب الكبائر . فصل الصغائر قد تكون كبائر إعلم أن الصغيرة قد تكبر بأسباب : أحدها - الإصرار والمواظبة ، ولذلك قال الصادق ( ع ) : ( لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ) . والسر فيه : أن الصغيرة لقلة تأثيرها لا تؤثر في القلب بإظلامه مرة أو مرتين ، ولكن إذا تكررت وتراكمت آثارها الضعيفة صارت قوية وأثرت على التدريج في القلب ، وذلك كما أن قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه ، وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة لم يؤثر ، ولذلك قال رسول الله ( ص ) : ( خير الأعمال أدومها ، وأن قل ) . وإذا كان النافع هو الطاعة الدائمة وأن قلت ، فكذلك الضار هو السيئة الدائمة وأن قلت . ثم معرفة الإصرار موكول إلى العرف ، قال الباقر ( ع ) في قوله تعالى : ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) ( 14 ) : ( الإصرار : أن يذنب الذنب ، فلا يستغفر ولا يحدث نفسه بتوبة ، فذلك الإصرار ) . وثانيها - استصغار الذنب ، فإن العبد كلما استعظمه من نفسه صغر عند الله ، وكلما استصغره كبر عند الله ، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهته له ، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به ، واستصغاره يصدر عن الألف به ، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب ، والقلب هو المطلوب تنوره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات ، ولذلك لا يؤخذ بما يجري عليه في الغفلة ، لعدم تأثره به ، ولذلك ورد في الخبر : ( إن المؤمن

--> ( 14 ) آل عمران ، الآية : 135 .